Telegram Group & Telegram Channel
هل تراجع ابن خزيمة عن كتاب التوحيد؟
وما معنى وصف الرازي إياه بأنه كتاب الشرك؟
وهل يعتد بقول الرازي؟

د. أسامة نمر عبد الكريم عبد القادر، مدارك العلم
8 / محرم / 1447 هـ، الموافق: 3 / 7 / 2025 م

سأل الشيخ الغالي عمر حفظه الله تعالى ورعاه قائلا: هل يثبت رجوع ابن خزيمة عن كتابه التوحيد، وعتاب العلماء له على تأليفه، كما نقل البيهقي، وإذا كان لم يثبت رجوعه، فهل يعتد بقول الإمام الرازي بتسمية هذا الكتاب "كتاب الشرك" كما ذكره في تفسيره؟
فبادرت بالبحث ثم بالإجابة قائلا:
( 1 ) أما سؤال: هل تراجع ابن خزيمة عن كتاب التوحيد؟
فالظاهر عندي بعد النظر في ما وقع بين يدي من أخبار تاريخية أن ابن خزيمة لم يتراجع عن كتابه، وإنما رجع عن شيء من علم الكلام قاله في غير كتابه.
ومن القرائن على على أنه لم يرجع عن كتابه:
1 = أن ابن فورك والرازي وابن جماعة وابن جهبل والكوثري انتقدوا بعض كلام ابن خزيمة في كتابه التوحيد، ولم يشيروا إلى تراجعه عنه.
2 = أن العلماء يذكرون كتابه التوحيد من مصنفاته دون الإشارة إلى أنه تراجع عنه.
3 = أن العلماء لم يزالوا ينقلون آراء ابن خزيمة من كتاب التوحيد، دون الإشارة إلى أنه تراجع عنها.
أما ما ذكره البيهقي من تراجع ابن خزيمة فلم يكن تراجع عن كتاب التوحيد، يدل على ذلك أمران:
الأول: أن سياق القصة يدل على أنه إنما رجع عن كلام ذكره في حديثه مع بعض المعتزلة، فالظاهر أنه رجع عن شيء من علم الكلام، لكنه باق على طريقة الحنابلة في الاعتقاد، فراجع القصة في كتاب الأسماء والصفات للبيهقي، وتأملها.
وقد صرح البيهقي بما أخطأ فيه ابن خزيمة، فقال البيهقي "وتكلم بما يوهم القول بحدوث الكلام مع اعتقاده قدمه"، فينبغي أن يكون تراجعه عن هذا القول ونحوه.
الثاني: أن البيهقي لم يأت في سياق القصة على ذكر كتاب التوحيد لابن خزيمة، فلا يكون التراجع متعلقا به.

( 2 ) وثمة سؤال هام هنا، وهو: معنى وصف فخر الدين الرازي كتاب ابن خزيمة بأنه كتاب الشرك؟
فمن المؤكد أنه لا يقصد به الشرك الأكبر المخرج من الملة.
وإنما هو من بابة وصف الرياء بأنه شرك، أي: شرك أصغر.
والظاهر عندي أن الرازي قصد وصفه بالشرك لما فيه من تشبيه، كما صرح بذلك ابن جهبل.
ومن المهم للقارئ أن يراجع سياق كلام الرازي الذي جاء فيه وصف كتاب ابن خزيمة بأنه كتاب الشرك؛ فإنه بين طرفا من ذلك، بحيث يفهم القارئ قصد الإمام الرازي.
ثم من المعلوم في المذهب الشافعي أن مثل هذا التشبيه الذي وقع فيه بعض أهل العلم ليس مخرجا من الملة.
ثم لم ينفرد الرازي بانتقاد كتاب التوحيد لابن خزيمة، بل انتقده آخرون من أهل العلم:-
1 = منهم: ابن فورك، فقد انتقد كتاب ابن خزيمة بأنه حمل الألفاظ المتشابهة على أنها صفات لله تعاالى، وأنه ذهب عن الصواب في تأويلها، وأوهم خلاف الحق، وجمعه بين ما يجوز أن يجري مجرى الصفة وما لا يجوز ذلك فيه.
2 = ومنهم ابن جماعة، فقد انتقد كتاب ابن خزيمة بأنه أورد العظائم الضعيفة والموضوعة، دون التصريح بوهائها وضعفها ووضعها، وبأنه خالف الأدلة العقلية والنقلية على تنزيه الله تعالى بالأحاديث الواهية، وأن ابن خزيمة نفسه ليس من أهل النظر في العقليات.
3 = ومنهم الكوثري، فقد انتقد كتاب ابن خزيمة لما حواه من الآراء الوثنية، ولا يقصد تكفيره، وإنما يقصد: التجسيم الذي يشبه الوثنية، وتشبيه الشيء بالشيء في وجه لا يقتضي مشابهته في كل وجه.
ومع ذلك فإن تاج الدين السبكي يبرئ ابن خزيمة من التشبيه:-
فقد قال تاج الدين السبكي: قال أبو عاصم: قال ابن خزيمة فى معنى قوله صلى الله عليه وسلم "إن الله خلق آدم على صورته"، قال: فيه سبب، وهو أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يضرب وجه رجل، فقال "لا تضرب على وجهه؛ فإن الله تعالى خلق آدم على صورته"، ثم قال تاج الدين السبكي: دعوى أن الضمير فى صورته عائد على رجل مضروب قاله غير ابن خزيمة أيضا، ولكنه من ابن خزيمة شاهد صحيح لما لا يرتاب فيه من أن الرجل برىء عما ينسبه إليه المشبهة وتفتريه عليه الملحدة، وبراءة الرجل منهم ظاهرة فى كتبه وكلامه، ولكن القوم يخبطون عشواء، ويمارون سفها.

( 3 ) أما سؤال: هل يعتد بقول الرازي؟
فالجواب: نعم، يعتد به، لاسيما وقد وافقه غيره، كابن فورك وابن جهبل وابن جماعة والكوثري، لكن مع مراعاة الأمور الأربعة التالية:
الأمر الأول: حمل كلام الرازي على تمام ما قصده دون مبالغة وتزيد، أعني: دون أخذ بظاهر عبارة "كتاب الشرك"، وإنما يحملها على ما وقع في كلام ابن خزيمة من خلل في باب الاعتقاد.
الأمر الثاني: التنبه إلى أنه وإن وجد بعض الخلل في كلام ابن خزيمة، فكذلك يوجد عنده شيء من الصواب.
8



group-telegram.com/akramabugush/502
Create:
Last Update:

هل تراجع ابن خزيمة عن كتاب التوحيد؟
وما معنى وصف الرازي إياه بأنه كتاب الشرك؟
وهل يعتد بقول الرازي؟

د. أسامة نمر عبد الكريم عبد القادر، مدارك العلم
8 / محرم / 1447 هـ، الموافق: 3 / 7 / 2025 م

سأل الشيخ الغالي عمر حفظه الله تعالى ورعاه قائلا: هل يثبت رجوع ابن خزيمة عن كتابه التوحيد، وعتاب العلماء له على تأليفه، كما نقل البيهقي، وإذا كان لم يثبت رجوعه، فهل يعتد بقول الإمام الرازي بتسمية هذا الكتاب "كتاب الشرك" كما ذكره في تفسيره؟
فبادرت بالبحث ثم بالإجابة قائلا:
( 1 ) أما سؤال: هل تراجع ابن خزيمة عن كتاب التوحيد؟
فالظاهر عندي بعد النظر في ما وقع بين يدي من أخبار تاريخية أن ابن خزيمة لم يتراجع عن كتابه، وإنما رجع عن شيء من علم الكلام قاله في غير كتابه.
ومن القرائن على على أنه لم يرجع عن كتابه:
1 = أن ابن فورك والرازي وابن جماعة وابن جهبل والكوثري انتقدوا بعض كلام ابن خزيمة في كتابه التوحيد، ولم يشيروا إلى تراجعه عنه.
2 = أن العلماء يذكرون كتابه التوحيد من مصنفاته دون الإشارة إلى أنه تراجع عنه.
3 = أن العلماء لم يزالوا ينقلون آراء ابن خزيمة من كتاب التوحيد، دون الإشارة إلى أنه تراجع عنها.
أما ما ذكره البيهقي من تراجع ابن خزيمة فلم يكن تراجع عن كتاب التوحيد، يدل على ذلك أمران:
الأول: أن سياق القصة يدل على أنه إنما رجع عن كلام ذكره في حديثه مع بعض المعتزلة، فالظاهر أنه رجع عن شيء من علم الكلام، لكنه باق على طريقة الحنابلة في الاعتقاد، فراجع القصة في كتاب الأسماء والصفات للبيهقي، وتأملها.
وقد صرح البيهقي بما أخطأ فيه ابن خزيمة، فقال البيهقي "وتكلم بما يوهم القول بحدوث الكلام مع اعتقاده قدمه"، فينبغي أن يكون تراجعه عن هذا القول ونحوه.
الثاني: أن البيهقي لم يأت في سياق القصة على ذكر كتاب التوحيد لابن خزيمة، فلا يكون التراجع متعلقا به.

( 2 ) وثمة سؤال هام هنا، وهو: معنى وصف فخر الدين الرازي كتاب ابن خزيمة بأنه كتاب الشرك؟
فمن المؤكد أنه لا يقصد به الشرك الأكبر المخرج من الملة.
وإنما هو من بابة وصف الرياء بأنه شرك، أي: شرك أصغر.
والظاهر عندي أن الرازي قصد وصفه بالشرك لما فيه من تشبيه، كما صرح بذلك ابن جهبل.
ومن المهم للقارئ أن يراجع سياق كلام الرازي الذي جاء فيه وصف كتاب ابن خزيمة بأنه كتاب الشرك؛ فإنه بين طرفا من ذلك، بحيث يفهم القارئ قصد الإمام الرازي.
ثم من المعلوم في المذهب الشافعي أن مثل هذا التشبيه الذي وقع فيه بعض أهل العلم ليس مخرجا من الملة.
ثم لم ينفرد الرازي بانتقاد كتاب التوحيد لابن خزيمة، بل انتقده آخرون من أهل العلم:-
1 = منهم: ابن فورك، فقد انتقد كتاب ابن خزيمة بأنه حمل الألفاظ المتشابهة على أنها صفات لله تعاالى، وأنه ذهب عن الصواب في تأويلها، وأوهم خلاف الحق، وجمعه بين ما يجوز أن يجري مجرى الصفة وما لا يجوز ذلك فيه.
2 = ومنهم ابن جماعة، فقد انتقد كتاب ابن خزيمة بأنه أورد العظائم الضعيفة والموضوعة، دون التصريح بوهائها وضعفها ووضعها، وبأنه خالف الأدلة العقلية والنقلية على تنزيه الله تعالى بالأحاديث الواهية، وأن ابن خزيمة نفسه ليس من أهل النظر في العقليات.
3 = ومنهم الكوثري، فقد انتقد كتاب ابن خزيمة لما حواه من الآراء الوثنية، ولا يقصد تكفيره، وإنما يقصد: التجسيم الذي يشبه الوثنية، وتشبيه الشيء بالشيء في وجه لا يقتضي مشابهته في كل وجه.
ومع ذلك فإن تاج الدين السبكي يبرئ ابن خزيمة من التشبيه:-
فقد قال تاج الدين السبكي: قال أبو عاصم: قال ابن خزيمة فى معنى قوله صلى الله عليه وسلم "إن الله خلق آدم على صورته"، قال: فيه سبب، وهو أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يضرب وجه رجل، فقال "لا تضرب على وجهه؛ فإن الله تعالى خلق آدم على صورته"، ثم قال تاج الدين السبكي: دعوى أن الضمير فى صورته عائد على رجل مضروب قاله غير ابن خزيمة أيضا، ولكنه من ابن خزيمة شاهد صحيح لما لا يرتاب فيه من أن الرجل برىء عما ينسبه إليه المشبهة وتفتريه عليه الملحدة، وبراءة الرجل منهم ظاهرة فى كتبه وكلامه، ولكن القوم يخبطون عشواء، ويمارون سفها.

( 3 ) أما سؤال: هل يعتد بقول الرازي؟
فالجواب: نعم، يعتد به، لاسيما وقد وافقه غيره، كابن فورك وابن جهبل وابن جماعة والكوثري، لكن مع مراعاة الأمور الأربعة التالية:
الأمر الأول: حمل كلام الرازي على تمام ما قصده دون مبالغة وتزيد، أعني: دون أخذ بظاهر عبارة "كتاب الشرك"، وإنما يحملها على ما وقع في كلام ابن خزيمة من خلل في باب الاعتقاد.
الأمر الثاني: التنبه إلى أنه وإن وجد بعض الخلل في كلام ابن خزيمة، فكذلك يوجد عنده شيء من الصواب.

BY م.محمد أكرم أبو غوش


Warning: Undefined variable $i in /var/www/group-telegram/post.php on line 260

Share with your friend now:
group-telegram.com/akramabugush/502

View MORE
Open in Telegram


Telegram | DID YOU KNOW?

Date: |

Founder Pavel Durov says tech is meant to set you free Artem Kliuchnikov and his family fled Ukraine just days before the Russian invasion. He adds: "Telegram has become my primary news source." Telegram boasts 500 million users, who share information individually and in groups in relative security. But Telegram's use as a one-way broadcast channel — which followers can join but not reply to — means content from inauthentic accounts can easily reach large, captive and eager audiences. In addition, Telegram's architecture limits the ability to slow the spread of false information: the lack of a central public feed, and the fact that comments are easily disabled in channels, reduce the space for public pushback.
from no


Telegram م.محمد أكرم أبو غوش
FROM American