group-telegram.com/mastal/3071
Last Update:
وأما الشخصية الثالثة فهي شخصية يحيى السنوار أبي إبراهيم عليه رحمة الله.
وأبو إبراهيم رغم أنه يسكن أحد أحياء المنطقة التي أسكن أيضًا، ورغم أني مررت من أمام بيته عشرات أو مئات المرات إلا أني لم أكن أراه إلا في القليل النادر، ولم أجالسه إلا مرة واحدة، ولهذه الجلسة قصةٌ لطيفةٌ يمكن أن أُعرِّج عليها بعد قليلٍ إن شاء الله، والمرات القليلة التي رأيته كان بعضها في خطب الجمعة حين يُقدِّر الله له الصلاة في المسجد الذي أخطب فيه.
والمعنى الذي أود الإشارة إليه والذي طرقته عند الكلام عن الشيخ أبي إسحاق الحويني هو أن أبا إبراهيم كانت له حسناتٌ كثيرة وكانت عليه مؤاخذات، بل لا يبعد أن يُقال: إنه كان شخصيةً مختلفًا عليها إلى حدٍّ ما، إلا أنه حين اندلعت معركة طوفان الأقصى والتي ارتبطت باسمه وكان هو صاحب القرار فيها ثم جاءت الأخبار باستشهاده ورأيتُ مشهد الخاتمة الأسطوري الذي أكرمه الله به علمت حينها بمركزية الصدق والإخلاص في أهلية الفوز بالمكارم الإلهية العظيمة.
لقد قلت حينها: لقد صدق الله فصدقه الله، وكانت هذه الكلمة تمتد في أعماق نفسي بما لا أحسن التعبير عنه الآن، وكأني لأول مرة أنطق بها وأقصد كلَّ حرفٍ فيها.
إن خاتمة الرجل تشي بصدقه العجيب المهيب.
لقد كان لي عناية بتتبع الخواتيم الصالحة حين كتبت كتابي (من عاش على شيءٍ مات عليه) وكان ثاني الكتب التي يسَّر الله لي كتابتها، وكانت أشد الخواتيم تأثيرًا فيَّ خاتمة الشيخ عبد الله عزام رحمه الله؛ إذ إنه قضى نحبه في يومٍ جمعة قد قام ليلتها وأصلح بين طائفتين من المسلمين فيها، ثم أصبح بعد أن أخذ بحظِّه من التهجد يتلو سورة الكهف مع بعض أهله ويشرح لهم ما تيسر من المعاني، ثم انطلق إلى خطبة الجمعة ليتم اغتياله في الطريق بتفجير سيارته ليرتفع عدة أمتار وينزل ساجدًا حتى إن بعض الناس ممن شاهدوا الحدث ظنوه يسجد شكرًا لله على السلامة والنجاة!
لقد عاش عالمًا داعيًا عابدًا مصلحًا مجاهدًا فجمع الله كل متعلقات هذه المسارات في مشهد الخاتمة الذي صار عليه.
إلا أن خاتمةَ أبي إبراهيم التي انتشرت على يد جنود العدو الصهيوني موثقةً بكاميراتهم ما أحسب أن أحدًا يراها إلا ويرى أنها درة الخواتيم الفاخرة، ثم بدأت الأخبار تأتي بما يزيد مشهد الخاتمة جمالًا؛ كاشتباكه مع العدو وإصراره على البقاء في منطقة القتال وعدم تلقيه الطعام من ثلاثة أيام، مع الصور التي تُبرز أوراق الأدعية والأذكار التي كانت معه، وما ورد من أخبار تعبده وتهجده مما يضيق المقام عن بيانه.
إن هذه الترجمة تشي بأنَّ الصدق والبعد عن الأضواء يأخذان بالعبد إلى المقامات الفاضلة والخواتيم الفاخرة.
وأما قصة الجلسة الوحيدة فقد ذكرته بنقدٍ منهجي في حضرة بعض القيادات المجاهدة في مجلسٍ عابر، ولم يخطر ببالي أنهم ينقلون إليه بعض كلامي، فقال لهم: يمكن أن أستمع إليه مباشرة وأُنصِتُ للنصيحة.
وبالفعل تم ترتيب لقاء لهذا الغرض وزرته وقلت له: سأحدثك بما يدور على الألسنة من دون أي زخرفةٍ في اللفظ تجاوزًا للبطانة التي يمكن أن تحجب عنك أشياء فتكون حاضرًا غائبًا، وقد تكلمت وأطلت الكلام وقد كنت في غاية الوضوح والصراحة والجرأة وكان ينصت أحسن إنصات، ثم جعل لي مِفتاحًا للوصول إليه في كل وقت، إلا أني لم أستخدم المفتاح إلا لإتمام مادة النصح، وما هي إلا مدة حتى اندلعت المعركة.
وعقب هذه الأخبار الثلاثة فإن كلمة السر هي ذلك الصدق العامر في القلوب، والذي يُغطِّي العيب ويردم كثيرًا من الخلل، وليس هذا بإغلاقٍ لباب النقد المنهجي سواء في حق العلماء كأبي إسحاق أو المجاهدين كأبي إبراهيم؛ فهذا بابٌ لا يُغلق مع الاحتفاظ بمقادير الرجال، وصدق الشيخ سليمان بن ناصر العبودي إذ قال: لا يجوز أن تضيع الحقائق العلمية باسم الحفاظ على مكانة الرجال؛ فالأمانة التي ترثها الأجيال القادمة منا هي الحقائق العلمية وليست جثامين حملتها، إلا أن الصدق يفعل فعله ويعمل عمله.
أسأل الله أن يرزقنا الصدق والإخلاص وحسن النية وجمال السيرة ونقاء السريرة.
والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
محمد بن محمد الأسطل
ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان 1446 هـ الموافق السابع عشر من مارس 2025م.
BY محمد بن محمد الأسطل
Warning: Undefined variable $i in /var/www/group-telegram/post.php on line 260
Share with your friend now:
group-telegram.com/mastal/3071